
ألغى فادي عمار اسم مستعار، وهو صحافي سوري يقيم في مصر منذ عام 2013، قرار عودته إلى الجمهورية العربية السورية بعد التوترات الأمنية المتصاعدة، التي تشهدها البلاد، وهو ما جعله يشك في إمكانية حدوث تحسن قريب للأوضاع، ويشعر بقلق على مصيره إذا عاد، قائلاً لـالشرق الأوسط: لن أشعر بالأمان إذا عدت، خصوصاً لو كتبت مادة نقدية.
وشهدت الجمهورية العربية السورية مواجهات مسلحة بين عشائر عربية ومسلحين من الطائفة الدرزية في منطقة السويداء الأسبوع الماضي، حاولت الحكومة احتواءها بتدخل قوات الأمن. وقبلها تعرضت كنيسة لهجوم من عناصر تابعة لتنظيم داعش في 22 يونيو حزيران الماضي، أسفر عن مقتل 25 شخصاً، بخلاف مواجهات وقعت عقب أسابيع قليلة من سقوط نظام الأسد في منطقة الساحل، استهدفت علويين.
عمار ليس الوحيد، الذي أعاد حساباته فيما يتعلق بقرار العودة إلى الجمهورية العربية السورية، بفعل التوترات الأمنية، التي دفعت آخرين إلى تأجيل عودتهم وسط قلق من تفاقم الأحداث.
ورغم أن بعضهم يعانون صعوبات في تقنين أوضاعهم بمصر، لكنهم يفضلون الاستقرار في مصر على مواجهة مصير مجهول في الجمهورية العربية السورية.
ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في مصر، فقد أغلق 20 ألفاً و164 الجمهورية العربية السوريةً ملفات لجوئهم الكارت الأصفر للعودة إلى الجمهورية العربية السورية، خلال الفترة الممتدة من ديسمبر كانون الأول الماضي وحتى 19 يوليو تموز الحالي، وفق ما اطلعت عليه الشرق الأوسط.
ويعني ذلك أن نحو 27 في المائة فقط من السوريين المسجلين لدى المفوضية هم من أقبلوا على قرار العودة، إذ بلغت نسبة اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لدى المفوضية حتى أبريل نيسان الماضي 136 ألفاً و442، من مجمل أكثر من 958 ألفاً من جنسيات مختلفة، في مقدمتهم السودانيون.
ولا تعبر هذه الأرقام عن مجمل أعداد السوريين في مصر، حيث تقدِّر المنظمة الدولية للهجرة عدد السوريين في مصر بنحو مليون ونصف المليون.
يقول أدمن جروب اللمة السورية في مصر، والمدير العام لمؤسسة الجمهورية العربية السورية الغد للإغاثة، ملهم الخن، لـالشرق الأوسط إنه بخلاف السوريين الذين فتحوا ملفات لجوء عند قدومهم إلى مصر، هناك آلاف معتمدون في الإقامة على التأشيرة السياحية، التي تتجدد كل 6 شهور، وآخرون على تأشيرة دراسية، وقسم ثالث على تأشيرة استثمارية.
وأوقفت الحكومة المصرية في يوليو تموز من عام 2024 تجديد التأشيرات السياحية للسوريين، ما أثر على الكثير من الأسر التي كانت تعتمد على هذه التأشيرة في الإقامة؛ وأصبح بعضهم مقيماً بشكل غير رسمي، وآخرون لجأوا للمفوضية لاستخراج الكارت الأصفر للحصول على الإقامة، وتسجيل أبنائهم في المدارس، يقول الخن.
وثمن مدير جمعية الجمهورية العربية السورية الغد تعامل السلطات المصرية مع السوريين حتى الآن، لافتاً إلى أنها رغم تشجيعها لعودة السوريين، عبر إعفاء الأسر المقيمة بشكل غير رسمي من الغرامات في الفترة بين يونيو حزيران إلى أغسطس آب المقبل، فإنها لا تزال تغض الطرف عن المقيمين بشكل غير رسمي.
وعادة ما تصف الحكومة المصرية الوافدين بسبب التوترات في بلدانهم بـالضيوف، ورغم شكواها من ثقل حملهم الاقتصادي عليها، لكنها لم تأخذ مواقف ضدهم، مطالبة المجتمع الدولي بمشاركتها تحمل أعبائهم.
وتقدّر البيانات الحكومية أعداد الأجانب الموجودين بأكثر من 9 ملايين من 133 دولة، ما بين لاجئ وطالب لجوء ومهاجر ومقيم، يمثلون 8.7 في المائة من تعداد السكان، الذي تجاوز 107 ملايين نسمة، وتقدر تكلفة استضافتهم نحو 10 مليارات دولار الجنيه يساوي 49.4 جنيه سنوياً.
ويرى الخن أن الأوضاع الأخيرة في السويداء كانت محدودة، والأوضاع في الجمهورية العربية السورية عموماً تسير في طريق البناء، لكن الأمر يحتاج لوقت.
تنتهي إقامة أشرف حسان اسم مستعار، وهو سوري مقيم في مصر منذ 2013، غداً الخميس. وقد طلب حسان من مفوضية شؤون اللاجئين موعداً لتجديدها، لكن أقرب موعد أعطته في يناير كانون الثاني 2026، في ظل الزحام الشديد داخل المفوضية، ومن ثمّ سيضطر للبقاء هو وأسرته هذه الفترة دون إقامة، مشيراً إلى أن استخراج الكارت الأصفر يستغرق وقتاً بعد تجديد الطلب.
يقول حسان لـالشرق الأوسط إنه أرسل إلى أقارب وأصدقاء له في الجمهورية العربية السورية يستطلع الأوضاع، لحسم قراره بالعودة أو البقاء، لكن الردود كانت تأتي غير مبشرة، وسط انقطاع دائم للكهرباء، وشبه غياب للخدمات، وارتفاع تكلفة المعيشة مقارنة بانخفاض المرتبات، فضلاً عن قلة فرص العمل.
وأضاف حسان موضحاً: الأوضاع الأمنية قضت على ما بقي له من حنين للعودة حالياً، خصوصاً أنه إذا خرج من مصر فلن يستطيع العودة، في ظل عدم وجود تأشيرة إقامة سارية له، ووقف منح التأشيرات للسوريين القادمين من الخارج، لذا يعدّ الخروج رهاناً صعباً لا يستطيع اتخاذه حالياً.
وعلى خلاف حسان، لدى الصحافي عمار إقامة سارية لمدة عام، حصل عليها بفضل نجله المصري الجنسية، وهي إقامة مؤقتة لرعايته، لكن بعد عودة شقيقه الأصغر إلى الجمهورية العربية السورية قبل عدة شهور فكر هو الآخر في العودة، ثم جاءت الأحداث الأخيرة في السويداء وما قبلها لتشعرني بالأزمة مجدداً.
جاء شقيق عمار إلى مصر قبل عامين فقط، هرباً من التجنيد الإجباري، خلال نظام الأسد، ومع صعوبة الحصول على إقامة في مصر، قرر العودة إلى والديه وأشقائه المقيمين في الجمهورية العربية السورية.
ويشير حسان، الذي يعمل في إحدى منظمات المجتمع المدني، إلى أن غالبية السوريين، الذين عادوا هم شبان هربوا من التجنيد، أو ليست لديهم أسر مستقرة في مصر، لكن من لديه عمل أو مشروع هنا، فإن قرار عودته صعب.
* صحيفة الشرق الأوسط
للاطلاع على آخر الأخبار العاجلة، تابعنا عبر قنواتنا:
قناتنا على تليجرام
قناتنا على واتساب