هل تتسبب إسرائيل في إنعاش العلاقات السورية الإيرانية؟

هل تتسبب إسرائيل في إنعاش العلاقات السورية الإيرانية؟

أدلى الرئيس السوري أحمد الشرع بتصريحات لافتة خلال لقائه مجموعة من الصحفيين العرب في دمشق، يوم الأربعاء 27 أغسطس/آب، حيث تحدث عن التنازل عن الجرح الذي سببه حزب الله اللبناني والاكتفاء بخطوة إخراجه من الجمهورية العربية السورية، من دون المضي نحو استهداف معاقل الحزب، رغم ما يحظى به ذلك من تأييد إقليمي ودولي.

هذه التصريحات، وإن وردت في سياق تأكيد الشرع على عدم الرغبة بالتدخل في الشأن اللبناني، لكنها تحمل رسائل لأكثر من اتجاه بما في ذلك إسرائيل، كونها صدرت بعد قرابة أسبوع من انعقاد جولة مفاوضات جديدة بين تل أبيب ودمشق في العاصمة الفرنسية باريس، وما تبعها من تسريبات تشير إلى عدم حصول توافق نهائي.

مطالب إسرائيلية تعجيزية وتصعيد ميداني مستمر

بعد جولة المفاوضات الأخيرة مع الجمهورية العربية السورية، تحدثت مصادر بوزارة الدفاع الإسرائيلية لوسائل إعلام عبرية عن المطالب من دمشق، وأبرزها نزع السلاح من جنوب الجمهورية العربية السورية، والبقاء في قمة جبل الشيخ التي سيطرت عليها إسرائيل بعيد سقوط نظام الأسد، وأشارت التصريحات الإسرائيلية إلى أن عدم موافقة دمشق على هذه المطالب هو من يحول دون التوصل إلى تفاهمات.

وسبق هذه التصريحات تسريب وسائل إعلام إسرائيلية تفاصيل إضافية حول عملية التفاوض مع الجمهورية العربية السورية، وأشارت التسريبات إلى أن تل أبيب تريد أن يتضمن الاتفاق الأمني الجديد عدم امتلاك الجمهورية العربية السورية لمنظومات صواريخ أو دفاع جوي.

وفي 27 أغسطس/آب عاد التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد الجمهورية العربية السورية، حيث نفذت وحدات عسكرية إسرائيلية عملية إنزال جوي على جبل المانع بريف دمشق، بالإضافة إلى قصف مواقع للجيش السوري في منطقة الكسوة مما أدى لسقوط قتلى وجرحى.

وسبق التصعيد الإسرائيلي بيومين تصريحات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني التي أدلى بها خلال مشاركته في الاجتماع الطارئ لمنظمة التعاون الإسلامي، حيث هاجم إسرائيل بسبب ارتكابها جرائم في فلسطين، وأدان ما وصفه بـالحرب الإجرامية في غزة.

انعكاسات على العلاقة بين دمشق وحزب الله

أظهر حزب الله اللبناني نية بالاستثمار في التصعيد الإسرائيلي المتكرر ضد الحكومة السورية الجديدة قبل عدة أشهر، فقد أكد الأمين العام الجديد للحزب نعيم القاسم، في مارس/ آذار الماضي، تمنيه الاستقرار في الجمهورية العربية السورية من أجل بناء دولة قوية قادرة على مواجهة التهديدات الخارجية، نافيا رغبة الحزب بالتدخل في الشأن السوري، ومشيرا إلى ضرورة وضع حد للتوسع الإسرائيلي في المنطقة.

ومنذ الإطاحة بنظام الأسد، وتشكيل حكومة ومؤسستي الجيش والأمن من الفصائل التي أطاحت بالأسد، يتم الإعلان بشكل متكرر عن ضبط شحنات أسلحة على الحدود السورية في طريقها إلى لبنان، مما يعكس التزاما من الحكومة السورية الجديدة بمنع استخدام الأراضي السورية معبرا لتمرير السلاح إلى الحزب.

وهذا السلوك حظي بشكل مستمر بإشادة من مسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن لم يرتق الموقف الأميركي لدرجة منع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الجمهورية العربية السورية، التي تستهدف في الغالب مواقع للجيش السوري الجديد.

في ضوء ما سبق، من غير المستبعد أن تكون تصريحات الرئيس السوري حول التنازل عن جرح حزب الله هدفها توجيه رسائل للإدارة الأميركية وإسرائيل بأن دمشق قد تراجع سياساتها تجاه الحزب في ظل استمرار الخطر الإسرائيلي، خاصة أن تصريحات الشرع أتت بعد قرار حصر السلاح في لبنان بيد الدولة.

مصالح أمنية واقتصادية تجمع الجمهورية العربية السورية والعراق

أبدت كل من بغداد ودمشق رغبة بالتقارب بعد سقوط الأسد، رغم الدعم الذي قدمته الفصائل العراقية شبه الرسمية للأسد على مدار سنوات سابقة، وتمثلت هذه الرغبة بلقاءات متتالية بين مسؤولين عراقيين وسوريين، وزيارات متكررة لرئيس المخابرات العراقي حمد الشطري إلى دمشق.

وناقشت الزيارات واللقاءات قضايا أمنية أهمها أمن وسلامة الحدود بين الجانبين، والتهديدات المشتركة التي يشكلها تنظيم الدولة على الجمهورية العربية السورية والعراق، وكان أبرزها الزيارة التي أجراها وزير الطاقة السوري محمد البشير إلى العاصمة العراقية بغداد في أغسطس/آب الجاري، التي شهدت توافقا على إعادة تفعيل خط أنابيب من محافظة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس السوري بعد تأهيله، بالإضافة إلى نقاش الموارد المائية.

تفرض الاعتبارات الأمنية على الجانبين العراقي والسوري التنسيق، في ظل الحديث عن توجه الولايات المتحدة للانسحاب من الجمهورية العربية السورية والعراق بشكل تدريجي، حيث من المتوقع أن يترك هذا الانسحاب فراغا أمنيا يمكن أن يستغله تنظيم الدولة، خصوصا في ظل الشكوك التي تحوم حول تعمد قوات الجمهورية العربية السورية الديمقراطية قسد إطلاق سراح قيادات في التنظيم محتجزين في سجون الحسكة من أجل خلط الأوراق على دمشق.

ويبدو أن العراق يفضل تفعيل خط كركوك بانياس النفطي بدلا من استمرار التصدير من كركوك باتجاه ميناء جيهان التركي لإحداث التوازن أمام إقليم كردستان من جهة، والجانب التركي من جهة أخرى، كما يطمح العراق لتنويع منافذ تصدير النفط وإيجاد منفذ جديد باتجاه البحر المتوسط، وتقليل تكلفته، وبالتالي العمل تدريجيا على رفع قدرة الإنتاج.

ومن المستبعد أن تقدم الحكومة العراقية على إجراء تنسيق أمني أو مباحثات اقتصادية دون موافقة قوى الإطار التنسيقي التي تعتبر بمثابة التحالف الحاكم، وهذه القوى لديها تحالف وثيق مع إيران، مما يعطي خطوات التقارب الأولية بين دمشق وبغداد أيضا أبعادا سياسية في ظل عدم إخفاء إيران رغبتها بإعادة علاقتها مع الجمهورية العربية السورية.

رسائل إيرانية إلى دمشق

في منتصف يوليو/تموز الماضي، نددت إيران بشكل رسمي بالهجمات التي نفذتها إسرائيل على العاصمة السورية دمشق، واستهدفت مقر رئاسة الأركان، بالإضافة إلى قصف قوات حكومية دخلت محافظة السويداء للسيطرة عليها.

مرر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسائل لدمشق بعد الهجمات الإسرائيلية، حيث أكد أن على دول المنطقة أن تتحرك لوضع حد للعدوان الإسرائيلي المجنون، مؤكدا دعم بلاده لسيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها، والاستعداد للوقوف إلى جانب الشعب السوري.

ومن الواضح أن طهران تعول على سياسة إسرائيل التي باتت تهدد دول المنطقة بما فيها الجمهورية العربية السورية من أجل استعادة شيء من حضورها وتأثيرها الذي فقدت منه الكثير إثر سقوط نظام الأسد.

وإثر الهجوم الإسرائيلي على دمشق الذي نفذته بذريعة دعم الدروز، تناولت صحف إيرانية محسوبة على الحرس الثوري الإيراني الأحداث في الجمهورية العربية السورية، واعتبرت أن تصعيد إسرائيل ضد الجمهورية العربية السورية هدفه خلق بؤر منفصلة بغض النظر عن الجهة التي تمسك بالحكومة المركزية، كما اعتبرت التحليلات التي صدرت عن هذه الصحف وأبرزها صحيفة جوان أن هدف إسرائيل هو تقسيم المجتمعات الإسلامية وتدميرها.

على الأرجح، فإن إيران لا تستبعد موجة تصعيد جديدة ضدها في ظل عدم التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي مع الولايات المتحدة والغرب، ومن ثم قد تحاول استعادة الحضور في ساحات مؤثرة ضمن صراعها طويل الأمد مع إسرائيل، حيث افتقدت نفوذها في الجمهورية العربية السورية بشكل واضح خلال الهجمات الإسرائيلية في يونيو/حزيران الماضي عليها.

معوقات عودة العلاقات بين الجمهورية العربية السورية ومحور إيران

رغم كل المؤشرات التي سبقت الإشارة إليها، فإن هناك معوقات تحول دون عودة العلاقات إلى شكل طبيعي بين الجمهورية العربية السورية ومحور إيران، أبرزها الحرص على عدم استفزاز الحكومة السورية لإدارة ترامب، التي تتبنى نهجا متشددا ضد النفوذ الإيراني، وتعمل على تقويضه في المنطقة عموما وليس في الجمهورية العربية السورية فقط.

وتركز دمشق على استكمال مسار إلغاء كل العقوبات الأميركية المفروضة على الجمهورية العربية السورية سابقا، والتي بقي منها تلك التي تحتاج إلى تشريع في مجلس النواب من أجل إبطالها على غرار عقوبات قانون قيصر.

من جهة أخرى، تحاول الحكومة السورية أيضا عدم استفزاز إسرائيل إلى الحد الأقصى، بالإضافة إلى أن المزاج الشعبي من غير المتوقع أن يتقبل خطوة عودة العلاقة مع إيران.

السيناريو المتوقع

من المتوقع أن تحرص الجمهورية العربية السورية على إبداء التوازن في سياساتها الخارجية بحكم موقعها الجغرافي ومصالحها، وطبيعة التهديدات التي تعاني منها بعد سقوط الأسد، إذ قفزت إسرائيل إلى رأس قائمة التهديدات بسلوكها العدواني تجاه دمشق رغم كل التطمينات التي عملت الحكومة السورية على تقديمها والتأكيد على أن الجمهورية العربية السورية لن تشكل تهديدا لأي جهة.

كما أن إسرائيل جنحت إلى التدخل بشكل سافر في الملفات الداخلية السورية، فيما يظهر أنه تحريض لبعض المكونات وفي مقدمتهم الدروز على المطالبة بحكم ذاتي.

وتتموضع الجمهورية العربية السورية ضمن محور إقليمي لديه هو الآخر قلق من سياسات إسرائيل العدوانية في المنطقة، والحديث هنا عن تركيا والسعودية وقطر والأردن، وهذه الدول سبق أن أدانت الهجوم الإسرائيلي على إيران في يونيو/حزيران الماضي، رغم أنها عانت في السابق من السياسات الإيرانية.

ومما يعزز الاعتقاد بأن الجمهورية العربية السورية ستعمل على الحفاظ على التوازن وإبقاء الخيارات مفتوحة مستقبلا هو تجنب الحكومة السورية الجديدة الخطاب العدائي والتصعيدي ضد إيران في ظل تصاعد الخطر الإسرائيلي.

ومن المحتمل أن تجري دمشق مراجعة لخياراتها إذا ما أدركت أن الولايات المتحدة لن تمارس ضغوطات كافية على إسرائيل لوقف هجماتها العدائية على الجمهورية العربية السورية، والتي باتت تهدد بالفعل وحدة واستقرار البلاد، فمن المحتمل أن واشنطن تريد من الحكومة السورية الحالية فقط استمرار قطع طريق إيران باتجاه لبنان لحين استكمال تقويض نفوذ إيران في المنطقة، وبالتالي الالتزام فقط بما يخدم المصالح الإسرائيلية.

للاطلاع على آخر الأخبار العاجلة، تابعنا عبر قنواتنا:
قناتنا على تليجرام
قناتنا على واتساب

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Advertisement