عواصم-حسب ما رصد دليلك نيوز الإخباري
رغم أن النفط يبقى السلعة الأكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي، فإن الأسعار التي تظهر يومياً على شاشات التداول لا تعكس دائماً حركة البراميل الفعلية المنتجة والمستهلكة حول العالم.
فإلى جانب النفط الحقيقي الذي يستخرج من الحقول وينقل عبر الناقلات إلى المصافي والمستهلكين، توجد سوق ضخمة للعقود الآجلة تعرف بـالنفط الورقي، تضم عقوداً مالية يتداولها المستثمرون والمتعاملون دون أن ينتقل معظمها إلى مرحلة التسليم الفعلي وفق وكالة معلومات الطاقة الأمريكية.
وأعاد التباين الذي ظهر خلال الأشهر الأخيرة بين أسعار العقود الآجلة وأسعار الشحنات الفعلية تسليط الضوء على الدور المتزايد للنفط الورقي في تحديد اتجاهات السوق العالمية، بعدما تحدثت تقارير وتحليلات نشرتها رويترز عن اتساع الفجوة بين الأسواق المالية وسوق الخام الفعلي، وخاصة في آسيا وأوروبا خلال اضطرابات مضيق هرمز.
النفط الحقيقي.. براميل تنتج وتستهلك
يقصد بالنفط الحقيقي الخام، الذي يجري إنتاجه من الحقول ونقله وبيعه للمصافي أو المستهلكين النهائيين، وتستند قيمته إلى عوامل ملموسة تشمل حجم الإنتاج العالمي ومستويات المخزون والطاقة التكريرية والطلب الصناعي والنقل.
وتستهلك دول العالم أكثر من 100 مليون برميل يومياً، ما يجعل أي اضطراب في الإنتاج أو النقل أو التكرير عاملاً مؤثراً مباشرة في الأسواق وأسعار الطاقة، وهو ما ظهر بوضوح خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، حيث دفعت المخاوف من تعطل الإمدادات ومرور النفط عبر مضيق هرمز أسعار الخام للصعود الحاد، وفق تقارير رويترز.
النفط الورقي.. سوق أكبر من البراميل نفسها
في المقابل، يقوم النفط الورقي على تداول العقود الآجلة والخيارات والمشتقات المالية المرتبطة بأسعار النفط، وتستخدم هذه الأدوات من قبل شركات الطاقة للتحوط من تقلبات الأسعار، كما تشكل مجالاً واسعاً للمضاربة من قبل الصناديق الاستثمارية والبنوك والمتداولين.
ورغم ارتباط هذه العقود بالنفط الخام، فإن الجزء الأكبر منها لا ينتهي بتسليم فعلي للنفط، بل تتم تسويته أو بيعه قبل حلول موعد الاستحقاق، ووفق دراسة صادرة عن معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، بلغت أحجام التداول اليومية لعقود ومشتقات النفط في بعض البورصات خلال ذروة أزمة مضيق هرمز نحو خمسة مليارات برميل يومياً، وهو رقم يفوق بأضعاف الاستهلاك الفعلي العالمي للنفط.
من يحدد السعر؟
يرى خبراء أن أسعار النفط العالمية لم تعد تتحدد فقط وفق معادلة العرض والطلب التقليدية، بل أيضاً وفق توقعات المستثمرين للمخاطر الجيوسياسية والنمو الاقتصادي والسياسات النقدية.
وعندما تتزايد المخاوف من اندلاع صراع أو تعطل طرق الشحن، ترتفع العقود الآجلة فوراً حتى قبل فقدان أي إمدادات فعلية، وفي المقابل قد تنخفض الأسعار عند ظهور مؤشرات على تباطؤ اقتصادي أو اقتراب تسويات سياسية، حتى وإن بقيت الإمدادات الفعلية محدودة.
وخلال الأسابيع الماضية، هبطت أسعار النفط عدة مرات مع انتشار تقارير عن احتمال التوصل إلى تفاهمات لوقف التصعيد بين أمريكا وإيران، رغم استمرار الضغوط على الإمدادات الفعلية، بحسب رويترز.
عندما تنفصل السوق الورقية عن الحقيقية
شهدت الأسواق خلال فترات مختلفة اتساع الفجوة بين الأسعار المتداولة في العقود الآجلة، والأسعار الفعلية التي تدفعها المصافي للحصول على شحنات حقيقية من النفط.
ونقلت رويترز عن محللين أن بعض المصافي الأوروبية والآسيوية دفعت خلال أزمة هرمز أسعاراً قاربت 150 دولاراً للبرميل للحصول على خام فعلي، في حين كانت أسعار العقود الآجلة أقل بكثير، ما عكس انفصالاً واضحاً بين السوق الورقية والحقيقية.
ويعود ذلك إلى اختلاف طبيعة السوقين؛ فالسوق الورقية تتعامل مع التوقعات المستقبلية واحتمالات انتهاء الأزمات، بينما تتعامل السوق الحقيقية مع الحاجة الفورية غير القابلة للتأجيل، فالمضارب في لندن أو نيويورك يبني قراراته على سيناريوهات سياسية واقتصادية مستقبلية، في حين تحتاج المصافي في آسيا أو أوروبا إلى النفط فعلياً اليوم لتشغيل منشآتها، بغض النظر عن توقعات الأسعار لاحقاً.
كما تحدثت تحليلات اقتصادية عن أن الأسواق المالية كانت تراهن على انحسار الأزمة وعودة الإمدادات سريعاً، بينما كانت المصافي تواجه نقصاً فورياً في الشحنات وارتفاعاً في تكاليف النقل والتأمين.
بين المضاربة والتحوط
يدافع مؤيدو أسواق المشتقات النفطية عن دورها في توفير السيولة ومساعدة المنتجين والمستهلكين على إدارة المخاطر، مؤكدين أن هذه الأسواق تسهم في اكتشاف الأسعار، وتوزيع المخاطر بين مختلف الأطراف.
في المقابل، يرى منتقدون أن المضاربات المكثفة قد تضخم تحركات الأسعار، وتزيد من تقلباتها، ما يؤدي أحياناً إلى ابتعاد الأسعار عن أساسيات السوق الفعلية، ووصل الأمر خلال الأشهر الماضية إلى بحث الإدارة الأمريكية اتخاذ إجراءات مرتبطة بسوق العقود الآجلة للنفط، بهدف الحد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفق ما نقلته رويترز عن مسؤولين أمريكيين.
ورغم أن النفط الحقيقي يبقى أساس الصناعة والطاقة العالمية، فإن النفوذ المتزايد للأسواق المالية جعل النفط الورقي لاعباً رئيسياً في رسم اتجاهات الأسعار، وبينما تستمر الحقول في إنتاج البراميل الفعلية، تتحرك مليارات الدولارات يومياً في أسواق العقود والمشتقات لتحدد ما سيدفعه العالم ثمناً للطاقة.
تابعنا للمزيد من الاخبار عبر الواتساب
دليلك الشامل لأحدث الأخبار