دمشق-حسب ما رصد دليلك نيوز الإخباري
بين ثنايا السرديات السورية، يتقاطع الطقس الديني لعيد الفطر مع تحولات ثقافية عميقة، فلم يعد أدب العيد مجرد مناسبة عابرة، بل غدا رمزاً مركزياً يعكس نبض المجتمع وتحولاته، ومع اندلاع الثورة السورية، تبدّل وجه العيد؛ فانحسر الفرح، وصار الألم رفيقاً دائماً، يستحضر غياب الأحبة الذين ارتقوا شهداء أو غيّبتهم معتقلات النظام البائد وزنازينه.
العيد مرآة للمجتمع وهمومه في أدب الرواد
تجلى العيد لدى الأدباء والمثقفين في الجمهورية العربية السورية بوصفه ذاكرة حيّة ونصاً أدبياً يختزن آلامه وقضاياه، فهو مثلاً عند رائد الأدب السياسي الساخر الراحل محمد الماغوط مفهوم مأساوي، ومناسبة لتسليط الضوء على معاناة المواطن وسلب حقوقه، كما في جملته الشهيرة: /أعطونا الأراجيح، وأَخذوا الأعياد/، ما يعكس انتقاده للأوضاع السياسية والاجتماعية التي سلبت الإنسان جوهر الحياة.
وفي هذا الصدد، يشير الروائي والقاص محمد الدعفيس في تصريح لـ حسب ما رصد دليلك نيوز الإخباري إلى أن العيد غالباً ما كان في عيون الأدباء والكتّاب السوريين معادلاً لـالنستالوجيا إلى درجة التماهي، فقد ظهر في كتاباتهم مفعماً بالحنين إلى /زمن الطيبين/ وإلى فسحة الهدنة والفرح التي افتقدوها، كما كانت الكتابة عنه غطاءً ملائماً مكّنهم من تمرير النقد الاجتماعي، والسياسي المبطن ضمناً، للهروب من قبضة الرقابة الصارمة.
ويضرب الدعفيس مثالاً بصورة الطفل الذي يحلم بحذاء جديد للعيد، مقابل عجز والده الفقير، بوصفها صورة تمرّ رقابياً لكنها تحمل دلالة نقدية لواقع اقتصادي وسياسي خانق.
ويجد الدعفيس أنه وبفعل انسداد الأفق السياسي زمن النظام البائد، تحوّل العيد إلى محاولةٍ للهروب من قبح الحاضر نحو جمال الذاكرة، وإلى تأكيدٍ على استحقاق الناس لحياة كريمة، ما جعله قبل الثورة مساحة رمزية لتمرير رسائل متعددة.
العيد تحت القنابل والبراميل المتفجرة
خلال سنوات الثورة، امتزجت دماء الأبرياء والأحرار والثوار مع القلم والورقة، وبرزت عناوين جديدة في الأدب تتجرع حزن قصف المظاهرات السلمية ومرارة قوارب الموت ومعاناة المهجّرين السوريين ومآسي مخيمات اللجوء، وتسطّر آلام القصف بالصواريخ والسلاح الكيماوي، واستذكار المغيبين وراء المعتقلات، وتوثّق هذه الجرائم مع محاولة إيجاد بصيص فرح وسط الدمار.
الشاعر عبد العليم زيدان يصف وقفة العيد بأنها كانت دائماً سوداء اللون في مدينة سراقب بريف إدلب، حيث يشتد القصف المدفعي الكثيف ليلاً براجمات الصواريخ والطيران معنونة أنها /عيدية/ وفق ما كان يقوله جنود حواجز النظام البائد المحيطة، فتتشح المدينة بالحزن على كل شهداء القصف والمعارك، ورغم كل البطش والقمع تصدح الابتهالات لله والتكبيرات، وتتواصل طقوس العيد تحت أزيز الطيران.
أما بعد تهجير أهالي سراقب فكان الوجع أكبر، وفق ما يبيّن زيدان لـ حسب ما رصد دليلك نيوز الإخباري، إذ زادت لوعة البُعد والحنين للأرض وللديار، وكانت قصيدته الأولى التي كتبها في أول عيد بعد التهجير تعتذر من العيد إذ لا شيء يُهدى أمام جرح الروح وبلادٍ أضاع الظلم رونقها وأضحت يباباً فلا طيبُ ولاعودُ، منوهاً بدور اتحاد الكتاب السوريين الأحرار الذي كان ينظم فعاليات وأمسيات بالمراكز الثقافية بإدلب أو بالساحات لإحياء الثورة خلال الأعياد.
غياب العيد وبقاء الحنين للوطن
اكتسب العيد في أدب اللجوء، عند المثقفين السوريين بُعداً أكثر تعقيداً، فتحول إلى تجربة شعورية قاسية، كما في رواية /أعياد الشتاء/ للكاتبة نغم حيدر التي تعكس عزلة المنافي، بحيث لا تُقاس الأعياد بالطقوس، بل بقدرة الذاكرة لمقاومة النسيان، وتكون وظيفة العيد هنا إبراز التناقض بين ظاهر الاحتفال وقسوة الوحدة.
وفي هذا الصدد، يقول الكاتب الروائي إبراهيم كوكي الذي عاش في تركيا: لا يمكن إنكار أن العيد يصبح أحياناً عبئاً نفسياً في بلاد الاغتراب، إذ يولج لدى الإنسان شوقاً لتفاصيله التي عاشها في الماضي، نظراً لارتباطه بطقوس اجتماعية ودينية متداخلة كخطبة وتكبيرات وصلاة العيد واجتماع الأهل والأقارب، وهو ما افتقده السوري خلال سنوات الثورة، والذي يعيش كلاجئ أكثر من كونه مغترباً.
غير أن هذا العبء النفسي، الملازم لكل مناسبة، يتجذّر في ذاكرة الكاتب بل والمثقف عموماً سواء أكان عيد الفطر أم عيد الأضحى أو سواهما، فيغدو، وفق هذا السياق، محرّكاً أساسياً لعملية الإبداع، فكثير من الأعمال الأدبية الخالدة لم تولد إلا من رحم المأساة وتحت وطأة ظروف نفسية قاهرة؛ إذ غالباً ما تكون الأعباء والمشاعر المثقلة بالألم هي الشرارة التي تدفع الإنسان إلى الكتابة، ومع كل عيد، تنفتح الذاكرة على مخزونها العاطفي، فتستحضر التاريخ الشخصي والإرث الاجتماعي والأسري، ليغدو العمل الأدبي في جوهره فعل مقاومة للنسيان، ومحاولةً لإعادة تشكيل المعنى في وجه الفقد.
رقمنة العيد كفضاءٍ جامع
في ظل التشتت الجغرافي خلال سنوات الثورة السورية، لعبت المنصات الرقمية دوراً محورياً في جمع الفرح وإعادة إنتاج الطقوس بعيداً عن حدود الجغرافيا، إذ أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي ساحة عمومية بديلة تسمح للسوريين بنقل المعارف، والتعبير عن الذات، والحفاظ على الممارسات الثقافية والتقاليد، والالتقاء افتراضياً بين الأهل والأحبة، كما تشير دراسة السرديات الرقمية، الهوية الانتشارية والذاكرة الجماعية: تحليل نقدي للأدبيات المنشورة في مجلة إثنيكيتيز المحكمة.
العيد بعد التحرير
في يوم الـ 8 من كانون الأول عام 2024 انتصرت الثورة السورية، التي لم تكن كفاحاً عسكرياً وسياسياً فحسب، بل ثورة ثقافية وفكرية قلبت كل السرديات، وارتبط فيها مفهوم بهجة العيد بـ /عيد التحرير/ كرمزٍ سياسي وثقافي، وبات العيد محطة تأمل في معنى الانتصار وأولوية التغيير.
ويشكل عيد الفطر اليوم حدثاً يتشارك فيه الجميع بالأمل والتفاؤل بمستقبلٍ أفضل، حتى أولئك الذين لا يجدون رفاهية شراء لوازم العيد ولكنهم يتفهمون ظروف البلد، ويتطلعون لتحسين أحوالهم في القريب العاجل، حسبما أوضحه رئيس مجلس أمناء مؤسسة دمشق للفكر إبراهيم الجبين، الذي لفت إلى أن العيد اليوم استعادة ثقافية واجتماعية للهوية والعادات والتقاليد، وذلك //بعد أن كنا نفتح أبوابنا في المنافي صباح العيد ونعدُّ القهوة المرة بانتظار الضيوف دون أن يأتي أحد//.
واستذكر الجبين كيف كان الاعتذار خلال السنوات الماضية عن قبول المعايدات والتهاني إجلالاً واحتراماً للشهداء الذين كانوا يرحلون أمام أعيننا تحت قصف النظام، مؤكداً أن الروح استُردت من جديد بالنصر والتحرير وانطلاق رحلة بناء الدولة والمجتمع وترميم الحِطام، وفي مقدمته الإنسان السوري الذي يستحق العدالة والظروف الملائمة ليبدع ويتميز، كما أثبت ذلك في بلاد الغربة.
وبذلك تغير الواقع الشعري للعيد الآن، فهو عيدٌ من بعد الصبر، حيث جاء النصر أخضر، وفق الشاعر زيدان، الذي أشار إلى أن الدموع التي كانت حزناً عمن فقدنا تحولت لفرحٍ بكبرياء وشموخ.
من الخبز والحلوى إلى الحرية والعدالة
أما تحول رمزية العيد إلى الحرية والعدالة فهو برأي الدعفيس استجابة عاطفية لحماسة آنية فرضها انتصار الثورة والتخلص من حكم قمعي ساد بثقلٍ شديد على النفوس، فانطلقت النصوص كما يندفع من شارف على غرق في لُجة بحرٍ ليلتقط نفساً يعادل بالنسبة إليه قشة نجاة.
ومع ذلك، يستدرك الدّعفيس بأن الوقت يبقى مبكراً للحكم على نضج هذا التحول وانعكاسه الجلي في الأدب، فلعل استجابة الشعر للحظة الآنية تبدو أسرع بكثير منها في بقية النصوص الأدبية التي تحتاج وقتاً أطول لتعبّر عن التيار الذي ستسلكه، ولتنعكس تجليات يمكن رصدها والتوقف عندها.
ويعكس العيد في السرد السوري تحولات المجتمع، حيث تتشابك الطقوس الدينية مع الحزن والذكريات، ويصبح الأدب أداة لتوثيق الألم، والحنين، والانتصار على مأساة السنوات الماضية.
تابعنا للمزيد من الاخبار عبر الواتساب
دليلك الشامل لأحدث الأخبار