دمشق-حسب ما رصد دليلك نيوز الإخباري
اعتمد النظام البائد على الاقتصاد كأداة رئيسية للسيطرة والقمع الجماعي، مستهدفاً كل من يعارضه من مواطنين وتجار ورجال أعمال، فحوّل سبل العيش إلى وسائل ضغط وابتزاز، وفرض الحصار وقطع الإمدادات الأساسية، ما أدى إلى إخضاع المجتمع لمنظومة اقتصادية قائمة على الخوف والتبعية.
أدوات السيطرة الاقتصادية
ولم تقتصر أدوات السيطرة على الإجراءات الاقتصادية، بل مارست أجهزة النظام البائد المختلفة أساليب ممنهجة شملت المصادرة والاعتقال والتعذيب والابتزاز المالي، إلى جانب فرض الأتاوات واحتكار العقود، ما أسهم في ترسيخ اقتصاد فاسد قائم على المحسوبية وإقصاء المنافسة، وتفكيك البنية الاقتصادية لصالح شبكات مرتبطة بالسلطة.
تجربة صناعي
يروي الصناعي أحمد الصياد تجربته قائلاً: بعد أن أنفقت دم قلبي على إنشاء معملي، اضطررت لبيعه بأقل من قيمته لعدم قدرتي على تحمل الضغوط التي كنت أتعرض لها، مشيراً إلى الإجراءات القمعية التي فرضتها أذرع النظام البائد زمن الثورة السورية التي دفعته إلى إيقاف عمله ومغادرة البلاد إلى دولة الإمارات، لبدء مسيرته الصناعية من جديد.
وأوضح الصياد أنه أسس معمله عام 2005 بتكلفة بلغت نحو 680 ألف دولار، قبل أن تبدأ معاناته عام 2012، مع انتشار الحواجز وفرض الأتاوات، إلى جانب التهديدات الأمنية واستدعاءات الأفرع، مبيناً أن هذه الضغوط إلى جانب الضغوط الاقتصادية، المتمثلة في صعوبة تأمين المواد الأولية، والانقطاع المستمر للكهرباء، وارتفاع الضرائب، وصعوبات التسويق، أجبرته على بيع المعمل بمبلغ 33 ألف دولار ومغادرة البلاد.
تجربة رجل أعمال
بدوره يوضح رائد الأعمال ماهر حسام الدين معاناته بالقول: عشت وعملت في الجمهورية العربية السورية لسنوات طويلة وأسست مشاريع تقنية وتجارية، لكن المضايقات والقيود الأمنية حدّت من قدرتي على تطوير مشاريعي بحرية، وجعلت الاستمرار أمراً صعباً ونتيجة لذلك، قررت نقل أعمالي إلى سلطنة عمان، حيث واصلت تطوير مشاريعي في قطاع التكنولوجيا وريادة الأعمال.
حصار المناطق الثائرة
ولم يقتصر استخدام الاقتصاد كأداة قمع على الصناعيين والتجار، بل طال أيضاً المناطق الثائرة، حيث استُخدم كوسيلة لتجويع السكان عبر محاصرتهم وقطع طرق إمدادهم بالمواد الغذائية الأساسية.
استعاد موفق خبية أحد سكان مدينة دوما في ريف دمشق، ذكريات صعبة عن سنوات الحصار مبيناً أن أكثرها كارثية كانت بين عامي 2013 و2014، بسبب إحكام النظام البائد السيطرة على المنافذ المؤدية إلى دمشق وريفها.
وأشار خبية إلى أن قطع الطرق بالكامل أدى إلى انعدام المواد الغذائية الأساسية والمحروقات، فيما لجأ السكان إلى الزراعة المنزلية لتعويض جزء من احتياجاتهم الغذائية.
الاقتصاد كسلاح
أكد الخبير الاقتصادي سليمان شعبان أن النظام البائد استخدم الاقتصاد كأداة ضغط عبر عدة آليات، شملت العقوبات الداخلية، التحكم بالموارد الأساسية، وإعادة تشكيل البنية الاقتصادية، لدعم شبكات مرتبطة بالسلطة، إلى جانب الحصار الطويل الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار ونقص المواد الأساسية.
ولفت شعبان إلى أن السياسات الاقتصادية لم تنجح بالكامل في تحقيق السيطرة، نتيجة ظهور اقتصاد بديل يعتمد على شبكات تهريب وأسواق موازية، ودعم المنظمات الأممية والدولية لبعض المناطق، ومرونة المجتمعات المحلية في التكيف، موضحاً أن ذلك أثر سلباً على الاقتصاد الوطني، بما في ذلك انهيار العملة وارتفاع معدلات الفقر.
وأشار شعبان إلى أن هذه السياسات عمّقت الانقسام الاجتماعي وقال: تم توظيف الاقتصاد كوسيلة ضغط وإخضاع، لكن الحدود العملية لهذه السياسات كانت واضحة، ما ساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية على مستوى البلاد.
الفرص الحالية لإعادة البناء
من جهته، أكد الباحث الاقتصادي والصناعي عصام تيزيني أن السياسات الاقتصادية في فترة النظام البائد، بما في ذلك قوانين تمويل المستوردات والقوانين المجحفة المتعلقة بحماية المستهلك، أدت إلى نفور عدد كبير من الصناعيين وهجرتهم خارج البلاد.
وأشار إلى أن الانتقال الحالي من اقتصاد مغلق إلى مفتوح يمكّن من عودة هؤلاء الصناعيين والمستثمرين لدعم الاقتصاد الوطني.
وبين شهادات الصناعيين ورواد الأعمال وذكريات الحصار، تتضح صورة مرحلة استخدم فيها الاقتصاد كأداة متعددة الأوجه للضغط والسيطرة، ما ترك آثاراً عميقة على البنية الاقتصادية والاجتماعية، غير أن المرحلة الجديدة التي دخلتها الجمهورية العربية السورية بعد التحرير تفتح باب الأمل بتجاوزها مع فرص التعافي، وإعادة البناء على أسس أكثر استقراراً وعدالة.
تابعنا للمزيد من الاخبار عبر الواتساب
دليلك الشامل لأحدث الأخبار