دمشق-حسب ما رصد دليلك نيوز الإخباري
يحمل شهر رمضان في القرى السورية طقوساً مميزة تمتزج فيها القيم الدينية بالموروث الشعبي، فتتجدد خلاله عادات اجتماعية تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل، لتضفي على الشهر الفضيل أجواءً من الألفة والدفء، حيث تتحول القرى إلى فضاءات تجمع العائلات والجيران حول موائد المشاركة والتكافل وتعزز روح التضامن الاجتماعي.
استعدادات بطابع تراثي
تبدأ مظاهر استقبال شهر رمضان في بعض القرى السورية قبل أيام من حلوله، من خلال تقليد التكريزة، حيث تجتمع العائلات في البساتين أو الأماكن الطبيعية احتفاءً بقدوم الشهر الكريم في أجواء يغلب عليها الطابع الاجتماعي والألفة، وتُعد هذه العادة من التقاليد المرتبطة بالريف السوري، والتي تعكس البعد الجماعي للحياة القروية، إذ تشير دراسات التراث الشعبي إلى أن مثل هذه اللقاءات الموسمية كانت تشكل وسيلة لتعزيز الروابط الاجتماعية واستقبال المناسبات الدينية بروح جماعية.
وبالتوازي مع ذلك، تنشغل الأسر بتحضير المؤونة المنزلية، كالمربيات والمخللات والحلويات التقليدية مثل المعمول، في طقس يعكس استعداد الأهالي لاستقبال الشهر الفضيل، حيث توضح الباحثة في التراث الشعبي السوري مريم النعيمي في كتابها العادات والتقاليد في المجتمع السوري، أن تحضير المؤونة قبل المناسبات الدينية يعد من السمات المميزة للحياة الريفية، حيث يتشارك أفراد الأسرة في إعداد الطعام وتخزينه استعداداً للشهر الفضيل.
وفي بعض المناطق الريفية تجتمع النساء لتبييض جدران المنازل بمادة النورة، في تقليد يعكس الاستعداد لاستقبال شهر رمضان، ويرمز إلى النقاء والتجدد مع حلول الشهر الفضيل.
وتشير النعيمي إلى أنه مع حلول اليوم الأول من شهر رمضان، يحرص كثير من أهالي الريف السوري، ولا سيما في محافظتي اللاذقية وطرطوس وريفهما، على تقليد يُعرف بـ تبييض السفرة، حيث تتصدر مائدة الإفطار أطباق تعتمد على اللبن مثل الشاكرية والشيشبرك والكبة اللبنية، في عادة متوارثة تعبيراً عن التفاؤل بأن يكون الشهر الفضيل حافلاً بالخير والبركة والصفاء.
عادات تعزز روح الجوار
تُعد السكبة من أبرز العادات الرمضانية في القرى السورية، حيث تتبادل العائلات أطباق الطعام قبيل أذان المغرب، ما يضفي تنوعاً على مائدة الإفطار ويعزز روح المشاركة بين الجيران، وتتنوع أطباق الإفطار في البيوت الريفية بين الفتوش والتبولة والشوربات والكبة والمحاشي، إلى جانب أطباق تقليدية كالفريكة مع الدجاج أو اللحم والبرغل بالكوسا، إضافة للمشروبات الشعبية كعرق السوس والتمر الهندي.
وبعد صلاة التراويح، التي تشهد إقبالاً لافتاً في مساجد القرى، تبدأ السهرات العائلية والاجتماعية حيث يجتمع الأقارب والجيران لتبادل الأحاديث واحتساء الشاي والقهوة العربية وتناول الحلويات الرمضانية مثل القطايف والعوامة، في أجواء يسودها الود والتسامح، ولا يزال المسحراتي حاضراً في بعض القرى، يجوب الحارات ليلاً قارعاً طبلته ومردداً العبارات التراثية لإيقاظ الأهالي لتناول السحور.
رمضان في الذاكرة الاجتماعية
يرى الشاعر صلاح خضر من ريف حمص أن شهر رمضان يشكل فرصة لتعزيز الروابط الأسرية في المجتمعات القروية، حيث تبدأ دعوات الإفطار غالباً في اليوم الأول في بيت كبير العائلة، ليجتمع الأبناء والبنات والأحفاد حول مائدة واحدة تعكس تلاقي الأجيال.
ويشير خضر إلى أن الجيران يتبادلون الأطعمة والحلويات المنزلية، كما تُنظم مبادرات لجمع التبرعات لمساعدة الأسر المحتاجة، ما يعزز روح التضامن الاجتماعي خلال الشهر الفضيل.
بدوره يستعيد الكاتب والروائي عيسى الشيخ حسن ذكرياته الأولى مع الصيام في الريف الشمالي عام 1974، مؤكداً أن أجواء رمضان وما يرافقها من عادات اجتماعية كانت حاضرة في كثير من أعماله الأدبية.
ويقول الشيخ حسن: إن تبادل الأطباق بين الجيران وما كان يعرف بـعزيمة رمضان، وهي اتفاق غير معلن بين أهل الحي لإعداد إفطار جماعي، شكلا جزءاً من الذاكرة الاجتماعية التي وثقتها رواياته، مشيراً إلى أن الشهر الفضيل يمثل بالنسبة له تجربة إنسانية وإبداعية عميقة.
وتبقى عادات رمضان في القرى السورية، بما تحمله من قيم التضامن وصلة الرحم، تعبيراً حياً عن ثقافة المجتمع الريفي، حيث لا يقتصر الشهر الكريم على الصيام والعبادة، بل يشكل مناسبة لتجديد العلاقات الاجتماعية وتعزيز روح المشاركة بين أفراد المجتمع.
تابعنا للمزيد من الاخبار عبر الواتساب
دليلك الشامل لأحدث الأخبار