دمشق-حسب ما رصد دليلك نيوز الإخباري
يفتح برنامج صناعة سورية، الذي أطلقته وزارة الاقتصاد والصناعة لدعم المنشآت ورفع كفاءتها الإنتاجية، الباب أمام نقاش حول آليات تحويل الدعم إلى أداة فاعلة لتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية، ولاسيما مع اشتراط البرنامج ألا تقل نسبة المحتوى المحلي القيمة المضافة عن 40 بالمئة في المنتج النهائي.
ويرى الخبيران الاقتصاديان الدكتور ياسر الحسين والمستشار المالي والاقتصادي محمد ناصر حمو، في حديثين لـ حسب ما رصد دليلك نيوز الإخباري، أن نجاح البرنامج يرتبط بالانتقال من الدعم المفتوح إلى حوافز مشروطة بنتائج قابلة للقياس، في مقدمتها رفع الإنتاجية والقيمة المضافة، وتحسين الجودة، وزيادة الصادرات، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد.
الدعم وسيلة لتحقيق النتائج
ويؤكد الحسين أن برنامج صناعة سورية يمكن أن يشكل نواة لسياسة صناعية جديدة، شريطة قياس أثره وفق مؤشرات واضحة تشمل الإنتاجية والقيمة المضافة والصادرات وفرص العمل، فيما يرى حمو أن تحقيق هذه النتائج يتطلب إعادة تصميم آليات الدعم المالي، والانتقال إلى ما وصفه بـالدعم الذكي المرتبط بالأداء.
وبحسب الخبيرين، ينبغي ألا تحصل المنشأة على الدعم لمجرد كونها قائمة أو لرغبتها في التوسع، بل مقابل تحقيق أهداف محددة، من بينها زيادة الإنتاجية، وخفض تكاليف الإنتاج، وتنمية الصادرات، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، ورفع نسبة المكون المحلي.
ويتوافق هذا التوجه مع أهداف برنامج صناعة سورية الرامية إلى استعادة الكفاءة الإنتاجية للمنشآت الصناعية، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، وتنمية الصادرات، مع إخضاع البرنامج لتقييم سنوي يتيح تعديل مسارات الدعم وفق المتغيرات الاقتصادية.
وتشترط آلية الانضمام إلى البرنامج أن تكون المنشأة مرخصة أصولاً أو في طور التسوية التشغيلية، وأن تعتمد على محتوى محلي قيمة مضافة لا يقل عن 40 بالمئة في المنتج النهائي، إلى جانب الالتزام بالمواصفات القياسية السورية ومعايير الجودة المعتمدة.
وصدر القرار استناداً إلى قانون تنظيم الصناعة رقم 21 لعام 1958 وتعديلاته، ومقتضيات المصلحة العامة، وحاجة الاقتصاد الوطني إلى توطين الإنتاج وزيادة القدرات التصديرية.
رفع كفاءة المنشآت القائمة
ويتفق الخبيران على أن تطوير المنشآت القائمة ورفع طاقتها الإنتاجية يجب أن يكونا من أبرز أولويات البرنامج، بدلاً من التركيز فقط على زيادة عدد المنشآت الصناعية.
ويرى الحسين أن الحد من الاعتماد على الاستيراد لا يتحقق بمجرد إنشاء مصانع جديدة، وإنما من خلال تحديث التكنولوجيا، وزيادة الطاقة الإنتاجية للمنشآت القائمة، وربطها بسلاسل توريد محلية تسهم في رفع نسبة المكون الوطني في الإنتاج.
من جانبه، يشير حمو إلى أن تحقيق هذا التوسع يتطلب توفير أدوات تمويل تتناسب مع طبيعة النشاط الصناعي ودورة رأس المال فيه، ومن بينها التمويل التأجيري للآلات، وخطوط الائتمان الدوارة، وصناديق التمويل المشترك بين المصارف.
ويتيح التكامل بين تحديث المنشآت وتوفير أدوات التمويل المناسبة تمكينها من الاستثمار في التكنولوجيا وتوسيع الإنتاج، بما يعزز كفاءة رأس المال الصناعي ويحد من توجيه الموارد إلى أوجه إنفاق غير منتجة.
وتأتي هذه الرؤية في وقت أظهرت فيه بيانات وزارة الاقتصاد والصناعة تسجيل 1430 طلباً للاستثمار الصناعي خلال النصف الأول من عام 2026، بينها 996 طلباً لإقامة منشآت صناعية جديدة، و317 طلباً لتحديث خطوط الإنتاج، و117 طلباً لتوسعة منشآت قائمة، مع توقع أن تسهم هذه الاستثمارات في توفير أكثر من 15 ألف فرصة عمل.
تمويل مرحلي مرتبط بمؤشرات الأداء
ويطرح الخبيران تصوراً متقارباً لآلية توزيع التمويل، يقوم على ربطه بمؤشرات أداء واضحة، وصرفه على مراحل تتناسب مع مستوى التقدم في تنفيذ المشروع، بدلاً من منحه دفعة واحدة ومن دون شروط مرتبطة بالنتائج.
ويقترح الحسين إنشاء بطاقة أداء صناعية لكل منشأة، تتضمن مؤشرات الإنتاجية، وتكلفة الوحدة، والطاقة الإنتاجية، والعمالة والأجور، ونسبة المكون المحلي، والجودة، والصادرات، والاستثمار الخاص، على أن يجري تجديد الدعم استناداً إلى النتائج الفعلية المحققة.
ويقدم حمو تصوراً مالياً مكملاً يقوم على صرف التمويل وفق مراحل المشروع، وربط كل دفعة بإنجاز محدد، بحيث يمكن مثلاً دفع قيمة الآلات مباشرة إلى المورد، ثم صرف دفعة لاحقة بعد تركيبها والتحقق من تشغيلها، بالتوازي مع زيارات ميدانية للتأكد من استخدام التمويل في الغرض المخصص له.
وبهذه الآلية، يجمع البرنامج بين الرقابة على النتائج والرقابة على استخدام الأموال، بما يسهم في تقليل مخاطر الهدر والتعثر وتحويل التمويل إلى أغراض غير إنتاجية.
حماية مؤقتة لا دائمة
ويتفق الخبيران على ضرورة ألا يتحول البرنامج إلى وسيلة لحماية الصناعة المحلية بصورة دائمة، وإنما إلى أداة انتقالية تساعد المنشآت على بلوغ مستويات أعلى من الكفاءة والتنافسية.
ويرى الحسين أن اختزال السياسة الصناعية في مفهوم دعم الصناعة لا يكفي لتطوير قدرتها التنافسية، موضحاً أن تحديث الآلات يجب أن يقترن بزيادة الإنتاجية، ودعم الطاقة بتحسين كفاءتها، والتدريب برفع إنتاجية العامل، ودعم الجودة بالحصول على الشهادات والاعتمادات اللازمة، فيما ينبغي أن ينعكس دعم التصدير في زيادة فعلية للصادرات.
ويتقاطع ذلك مع رؤية حمو الداعية إلى ربط الجزء الأكبر من الحوافز بنمو الصادرات، وزيادة المكون المحلي، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، إلى جانب اعتماد التمويل المرحلي لضمان توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج.
وبذلك يصبح الدعم وسيلة لنقل المنشأة تدريجياً من مرحلة الاستفادة من الحوافز إلى الاعتماد على قدراتها الذاتية في الإنتاج والمنافسة، بالتوازي مع التقييم السنوي للبرنامج وإعادة توجيه أدواته وفق المتغيرات الاقتصادية والنتائج المحققة.
الجودة بوابة الأسواق الخارجية
وتشكل الجودة أحد المحاور الأساسية في نجاح البرنامج، إذ لا يكفي رفع حجم الإنتاج إذا لم يكن المنتج السوري قادراً على تلبية متطلبات الأسواق الخارجية والمنافسة فيها.
ويشدد الحسين على ضرورة التمييز بين مطابقة المنتج للمواصفة السورية واستيفائه متطلبات السوق المستهدف، إذ قد يكون المنتج مطابقاً للمواصفات المحلية، لكنه يحتاج إلى شهادات واختبارات وإجراءات مطابقة معترف بها في أسواق التصدير.
وفي السياق ذاته، يقترح حمو اعتماد معايير الجودة والمواصفات بوصفها تأشيرة دخول إلى منظومة التمويل، ومنح المنشآت القادرة على استيفاء متطلبات الجودة أولوية في الدعم، مع تخصيص جزء من التمويل للمختبرات والحصول على شهادات الجودة بصورة مباشرة.
ومن شأن ذلك أن يحول الجودة من مجرد شرط فني إلى أداة اقتصادية تسهم في فتح الأسواق، وتقليل مخاطر رفض الشحنات، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتج السوري.
أي القطاعات تستحق الأولوية؟
وفي ما يتعلق بتحديد القطاعات الأكثر استحقاقاً للدعم، يرى الحسين أن الاختيار يجب ألا يستند إلى شعبية القطاع أو حجم الطلب عليه فقط، وإنما إلى مجموعة من المعايير، تشمل نسبة القيمة المضافة المحلية، وكثافة العمالة، وإمكانات التصدير، وتوافر المدخلات المحلية، وحجم فجوة الاستيراد، وإمكان نقل التكنولوجيا، والميزة التنافسية المحتملة.
ومن أبرز القطاعات القابلة للاستفادة، وفق الحسين، الصناعات الغذائية، والنسيج والألبسة، والصناعات الكيميائية والبلاستيكية، والهندسية والمعدنية، ومواد البناء، والصناعات الدوائية والطبية، إضافة إلى الصناعات المرتبطة بالقطاع الزراعي.
ويكمل حمو هذه الرؤية من الجانب المالي، إذ يرى أن تحديد القطاعات ذات الأولوية يتيح توجيه التمويل نحو الأنشطة الأكثر قدرة على تحقيق عوائد، وتوليد صادرات، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، بدلاً من توزيع الموارد بصورة متساوية على جميع المنشآت.
وتتقاطع هذه الأولويات مع اتجاهات الاستثمار الصناعي المسجلة خلال النصف الأول من العام الجاري، إذ تصدرت الصناعات الكيميائية والبلاستيكية بـ276 طلباً، تلتها الصناعات الغذائية بـ255 طلباً، ثم الصناعات النسيجية والألبسة بـ234 طلباً، فالهندسية والمعدنية بـ172 طلباً، ومواد البناء بـ142 طلباً.
الصادرات والعائد على الاستثمار
ويتفق الخبيران على أن المؤشرات النهائية هي المعيار الأساسي للحكم على نجاح البرنامج، فيما يعطي حمو أولوية خاصة لزيادة الصادرات ومعدل العائد على الاستثمار، إلى جانب نمو الإنتاجية والجودة والمبيعات والاستثمارات الجديدة.
ويوضح حمو أن زيادة الصادرات تعكس قدرة المنتج السوري على النفاذ إلى الأسواق الخارجية وتوفير تدفقات من القطع الأجنبي، في حين يكشف معدل العائد على الاستثمار مدى قدرة الأموال والتمويل والحوافز الموجهة إلى القطاع الصناعي على التحول إلى إنتاج وعوائد فعلية.
ويأتي بعد ذلك نمو المبيعات وحجم الاستثمارات الجديدة، بينما يمكن النظر إلى توفير فرص العمل بوصفه نتيجة مترتبة على توسع الإنتاج والمبيعات والصادرات، وليس هدفاً منفصلاً عنها.
من صناعة أكثر إلى صناعة أفضل
وفي المحصلة، يلتقي الخبيران عند فكرة أساسية مفادها أن تطوير الصناعة السورية لا يقتصر على زيادة عدد المنشآت، وإنما يتطلب بناء قطاع صناعي أكثر إنتاجية وقيمة مضافة، وأعلى قدرة على المنافسة والتصدير.
ومن هذا المنطلق، يرتبط نجاح برنامج صناعة سورية بكونه جزءاً من سياسة صناعية متكاملة تربط التمويل بالطاقة والتكنولوجيا والتدريب والجودة والتصدير، وتعتمد دعماً مؤقتاً ومشروطاً بمؤشرات أداء واضحة، بما يتيح للمنشآت الانتقال تدريجياً من الاعتماد على الحوافز إلى المنافسة بالاعتماد على قدراتها الذاتية.
وبذلك، لن يكون السؤال الأهم: كم منشأة استفادت من برنامج صناعة سورية، بل: كم منشأة أصبحت بعد البرنامج أكثر إنتاجية، وأعلى جودة، وأكثر قدرة على التصدير، وأقل اعتماداً على المدخلات المستوردة.
تابعنا للمزيد من الاخبار عبر الواتساب
دليلك الشامل لأحدث الأخبار